ابن كثير
341
البداية والنهاية
أنه قلد حسبة دمشق عوضا عن أبيه ، نزل له عنها باختياره لكبره وضعفه ، وخلع عليه بالديار المصرية ، ولم يبق إلا أن يركب على البريد فتمرض يوما وثانيا وتوفي إلى رحمة الله تعالى ، فتألم والده بسبب ذلك تألما عظيما ، وعزاه الناس فيه ، ووجدته صابرا محتسبا باكيا مسترجعا موجعا انتهى . بشارة عظيمة بوضع الشطر من مكس الغنم مع ولاية سعد الدين ماجد بن التاج إسحاق من الديار المصرية على نظر الدواوين قبله ، ففرح الناس بولاية هذا وقدومه ، وبعزل الأول وانصرافه عن البلد فرحا شديدا ، ومعه مرسوم شريف بوضع نصف مكس الغنم ، وكان عبرته أربعة دراهم ونصف ، فصار إلى درهمين وربع درهم ، وقد نودي بذلك في البلد يوم الاثنين العشرين من شهر ربيع الآخر ، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا ، ولله الحمد والمنة ، وتضاعفت أدعيتهم لمن كان السبب في ذلك ، وذلك أنه يكثر الجلب برخص اللحم على الناس ، ويأخذ الديوان نظير ما كان يأخذ قبل ذلك ، وقدر الله تعالى قدوم وفود وقفول بتجائر متعددة ، وأخذ منها الديوان السلطاني في الزكاة والوكالة ، وقد مراكب كثيرة فأخذ منها في العشر أضعاف ما أطلق من المكس ، ولله الحمد والمنة . ثم قرئ على الناس في يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة قبل العصر . وفي يوم الاثنين العشرين منه ضرب الفقيه شمس الدين بن الصفدي بدار السعادة بسبب خانقاه الطواويس ، فإنه جاء في جماعة منهم يتظلمون من كاتب السر الذي هو شيخ الشيوخ ، وقد تكلم معهم فيما يتعلق بشرط الواقف مما فيه مشقة عليهم ، فتكلم الصفدي المذكور بكلام فيه غلظ ، فبطح ليضرب فشفع فيه ، ثم تكلم فشفع فيه ، ثم بطح الثالثة فضرب ثم أمر به إلى السجن ، ثم أخرج بعد ليلتين أو ثلاثة . وفي صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين منه درس قاضي القضاة الشافعي بمدارسه ، وحضر درس الناصرية الجوانية بمقتضى شرط الواقف الذي أثبته أخوه بعد موت القاضي ناصر الدين كاتب السر ، وحضر عنده جماعة من الأعيان وبعض القضاة ، وأخذ في سورة الفتح ، قرئ عليه من تفسير والده في قوله ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) [ سورة الفتح : 1 ] . وفي مستهل جمادى الأولى يوم الجمعة بعد صلاة الفجر مع الإمام الكبير صلي على القاضي قطب الدين محمد بن الحسن الحاكم بحمص ، جاء إلى دمشق لتلقي أخي زوجته قاضي القضاة تاج الدين السبكي الشافعي ، فتمرض من مدة ثم كانت وفاته بدمشق ، فصلي عليه بالجامع كما ذكرنا ، وخارج باب الفرج ، ثم صعدوا به إلى سفح جبل قاسيون ، وقد جاوز الثمانين بسنتين ، وقد حدث وروى شيئا يسيرا رحمه الله .